أبي منصور الماتريدي

242

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أي : عبادة الله وتوحيده هو الدين القيم ؛ لأنه دين قام على الحجة والبرهان ، وأمّا سائر الأديان فليست بقيمة ؛ إذ لا حجة قامت عليها ولا برهان . والقيم : هو القائم الذي قام بحجة وبرهان ، وقال أهل التأويل : القيم : المستقيم . وقوله - عزّ وجل - : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . يحتمل : لا يعلمون ؛ لما لم يتفكروا فيه ولم ينظروا ؛ فلم يعلموا ، ولو نظروا فيه وتفكروا لعلموا ، وهذا يدلّ أن العقوبة تلزم - وإن جهل - إن أمكن له العلم به ؛ فلا عذر له في الجهل إذا أمكن العلم به . أو علموا لكنهم لم ينتفعوا بعلمهم ؛ فنفى عنهم العلم لذلك ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ . هو ما ذكرنا أنه تأويل رؤيا الساقي ، وعبرها على « 1 » العود إلى ما كان يعمل من قبل ؛ لما رأى أنه كان عمل على ما كان يعمل من قبل . وعبر رؤيا الخبّاز بالهلاك ؛ لما رأى أنه حمل الخبز على الرأس ، والخبز إذا خبزه الخباز لا يحمله على رأسه ؛ فرأى أنه قد انتهى أمره ؛ إذ عمل على خلاف ما كان يعمل من قبل ؛ فتأكل الطير من رأسه ، فعبّر أنه يصلب وتأكل من رأسه لما رأى أنه حمل الخبز على رأسه ؛ لما كان يخبز من قبل للعباد ، فلما رأى أنه يخبز لغيره عبر أنه يهلك فتأكل الطير من رأسه . وقوله - عزّ وجل - : قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ . قال بعض أهل التأويل : إنه لما عبر لهما رؤياهما ، قال الذي عبر له الصلب والقتل : لم أر شيئا ؛ إنما كنا نلعب « 2 » ، فقال لهما يوسف : قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ أي : فرغ وانتهى ، لكن هذا لا يعلم : أقالا ذلك أم لم يقولا ، سوى أن فيه أنه عبّر رؤياهما ، وكان ما عبّر لهما ، وقد علم ذلك بتعليم من الله إياه ؛ بقوله : ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي . وقوله - عزّ وجل - : وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا . قال بعضهم : ظن الذي صدق [ يوسف : أنه يسقي ربه ، وأنه ناج .

--> ( 1 ) في أ : عن . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 218 ، 219 ) ( 19302 ، 19305 ) عن ابن مسعود ، ( 19306 ) عن ابن إسحاق ، ( 19308 ، 19309 ) عن مجاهد . وذكره السيوطي في الدر ( 4 / 36 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن ابن مسعود ، ولأبي الشيخ عن مجاهد وقتادة بمثله .